•  السياسة اللغوية :


لقد نشأت اللسانيات الاجتماعية في العصر الحديث وكان من أكثر اهتماماتها هو ضبط القوانين التي تضبط حركة اللغة عند تفاعلها مع البنى الاجتماعية، وهذا بهدف استثمار ذلك عند رسم السياسات اللغوية حىت تكون هذه السياسة علمية و عملية و هنا وجد علماء اللسانيات الاجتماعية أنفسهم أمام علم جديد له منهجه وموضوعه هو علم السياسة اللغوية ) Politique linguistique )حيث يهتم بدراسة اللغة في علاقتها بالمجتمع.



  • تعريف السياسة اللغوية:


تشير السياسة اللغوية إلى "نشاطات يمارسها السياسة تجاه اللغة وصياغتها في شكل قرارات دستورية وتشريعية وهي فرع من علم السياسة العام" ، فهي قرارات لغوية تصاغ من طرف الدولة. وهي مرحلة نظرية يتم خلالها الربط بين الواقع االجتماعي واللغة، لاتخاذ اتجاه لغوي محدد ، فهي سياسة تقوم على وضع اختيارات لغوية تتماشى والمجتمع وتراعي فيها أهدافا للنهوض باللغة العربية.

كما أن السياسة اللغوية هي مجموعة التدابير التي يتخذها بلد من البلدان إزاء لغته من اجل الارتقاء و النمو ومواكبة العصر و تماشيا مع تطور البلد من الناحية الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية



  • مبادئ السياسية اللغوية: 


ؽلكن تلخيص المبادئ التي تنطلق منها السياسة اللغوية فيما يلي:

1) التاريخ المشترك للمجتمع، والهوية النابعة من كيانه، واللغة المجسدة لثقافته المعبرة عن حضارته.

2) الثوابت والمرتكزات الكبرى للشعب، كالدين والوحدة الوطنية والروح المعنوية والجوهر الاصيل   للكيان الوطني والمصالح المشتركة. 

3)اعتراف الدستور باللغة المختارة في السياسة اللغوية للبلاد.


  • إجراءات السياسة اللغوية:


1 القيام بالدراسة التشخيصية للوضع اللغوي في المجتمع المعين

2 وضع تصورات ومبادئ التهيئة اللغوية

3 تنفيذ خطة التهيئة اللغوية باعتماد الوسائل المتاحة  


  • اهداف السياسة اللغوية :


تهدف السياسة اللغوية إلى التأثير في شكل اللغة الوطنية، أو الى تنميتها. وإن تداخلا كهذا يقع على مستويات ثلاثة :

   مستوى الخط: لما يتعلق الأمر أن تبتدع خط للغة الشفوية، فإنه يغير الخط المعتمد فيها ويغير أبجديتها.

   مستوى المعجم: ذلك عندما يتعلق الأمر بغلق وحدات معجمية جديدة بطرق مختلفة كالاقتراض أو التوليد ليسمح للغة بالتعبير عن معان كان يعبر عنها بلغة أخرى كمفردات السياسة والعلوم، وغير ذلك. 

  مستوى الأشكال اللهجية: حيث يكون للغة التي ارتقت حديثا الى مستوى اللغة الوطنية أشكال مختلفة باختلاف مناطقها ويجب  إما أن يختار واحدا من هذه الاشكال، وإما أن يخلق شكل جديد يأخذ من مختلف اللهجات .

 لكن تستطيع السياسة اللغوية أيضا أن تتدخل في العلاقات بين اللغات في أوضاع التعدد اللغوي، حيث يجب اختيار لغة وطنية من بين عدد من اللغات الموجودة أو تهيئة تعدد لغوي في إحدى المناطق أو اختيار لغات التعليم ووسائل الإعلام.


  • السياسة اللغوية في الجزائر:

 

أ-مظاهر السياسة اللغوية في الجزائر:

 انتهجت الجزائر سياسة لغوية مثلها مثل دول المغرب العربي و تمثلت مظاهرها في: "سياسة التعريب كأداة مقاومة لما خلفه الاستعمار الفرنسي" فبعد أن حصلت الجزائر على الاستقلال وجدت أن الفرنسية طغت على كل المواقف الرسمية وكل مجالات الحياة وأكثرها حساسية جمال التعليم، فكان لزاما عليها أن تنتهج سياسة لغوية تمكنها من استرجاع الهوية الوطنية لذا انتهجت "الخطة العليا في بلاد المغرب العربي في تعريب الأنظمة وما يقتضيه من تخطيط لتعليم العربية ".

فاتخذت وزارة التربية قرارا تمثل في إدخال اللغة العربية في جميع المؤسسات التعليمية، فخطت الجزائر أول خطوة حنو تعريب المدرسة الابتدائية كونها نواة المجتمع فعربت الاولى ابتدائي ثم السنة الثانية وواصلت ذلك إلى أن شمل التعريب كل مجالات الحياة، فالجزائر انتهجت سياسة التعريب بعد الاستقلال مباشرة، وتمثلت في إصدار قرار بتعريب المدرسة الابتدائية وواصلت ذلك إلى أن شمل التعريب كل الميادين مع اعتماد التدريج في ذلك وهذا من أجل إرجاع الهوية العربية والثقافة الجزائرية والقيم الدينية التي قضى عليها الاحتلال الفرنسي، فالسياسة اللغوية في الجزائر تمثلت في العمل على إعلاء اللغة الرسمية التي تنص عليها الدساتير وهي اللغة العربية وسعت إلى جعل اللغة العربية متداولة في كل ميادين ومجالات الحياة، لكن القرار يبقى قرارا إن لم يوضع في موضع التنفيذ، وهذا ما شهدته السياسة اللغوية في الجزائر فغياب التخطيط اللغوي الشامل أدى إلى اضمحلال وتراجع سياسة التعريب التي انتهجتها الجزائر وبقيت ضمنيا في الدساتير.


ب ـ واقع السياسة اللغوية في الجزائر: 

تقوم السياسة اللغوية على مبادئ ولو أسقطنا هذه المبادئ على قيام السياسة اللغوية في الجزائر لصادفنا في ذلك تضارب، فصحيح أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في الجزائر، و معترف بها في الدستور لكنها لا تطبق على أرض الواقع باعتبارها اللغة الأم فالوضع اللغوي للمجتمع الجزائري خليط بين عامية وفرنسية وأمازيغية ولا نرى أي تجسيد للغة العربية على أرض الواقع إلا في المواقف الرسمية. المادة اللغوية التي يحصل عليها الطفل في أسرته هي ليست عربية فصحى ومع ذلك فهو لا يتعلم اللغة العربية بالمعنى نفسه الذي يتعلم به لغة اجنبية لأن المناهج التعليمية تتعامل معها باعتبارها اللغة ألم وهذا ينعكس سلبا على المتعلم. مما يطرح الإشكال التالي: كيف يتعامل المعلم مع المتعلم يف السنوات الابتدائية الاولى؟ وكيف يتعامل مع المادة اللغوية؟ فالسياسة اللغوية في الجزائر لا تأخذ هذه النقطة بعين الاعتبار لذا لابد من واضعي السياسة اللغوية إيجاد الحل المناسب، وإعادة النظر في المختارات اللغوية للمرحلة الابتدائية. كما أن واقع السياسة اللغوية في الجزائر يكشف عن التساؤل التالي "هل يمكن للجزائر التخلي عن الفرنسية؟" فالجزائر متمسكة بالفرنسية بحكم أنها جعلتها تلتحق بالعلوم الحديثة، ومتعصبة للغة العربية بحكم انها جعلتها متأخرة عن مسايرة العلوم ولو اعترفت بكل موضوعية بتطور العلوم في اللغات الاجنبية وعملت على تحقيق التعريب لنجحت السياسة اللغوية في الجزائر لكن هيهات.



لنشر اللغة لابد من الحفاظ عليها داخل مواطنها ثم العمل على نشرها خارج حدودها، والحفاظ عليها من الزلل والخطأ والفناء البد من تداولها على الألسنة في كل ميادين الحياة حتى لا تبقى سجينة مواقف محددة، وهذا يتطلب جهود واعية من أجل تعزيزها وتداولها ، ويتم ذلك عن طريق ما اصطلح عليه علميا  "السياسة اللغوية". واللغة العربية في أمس الحاجة لذلك، فرغم أنها محفوظة من عند المولى عز وجل لكن ينقصها التداول على الألسنة وتعزيز مكانتها في النفوس، ولتحقيق ذلك لابد من وضع قرار سياسي لغوي صارم يليه تطبيق فعلي على أرض الواقع من أجل الرفع من مستوى تعليم اللغة العربية، فللدولة سلطة وهيمنة والبد أن تظهر هذه السلطة والقوة يف تعليم اللغة العربية، ذلك أن التعليم هو أقوى عوامل رقي المجتمع وتقدمه.






















Commentaires

Posts les plus consultés de ce blog

إنشاء موقع الكتروني ببرنامج ووردبراس وجوملا WORDPRESS CMS - JOOMLA CMS